دام حكم العثمانيين للعرب أربعة قرون من القرون الخمسة الماضية. وعلى مدار هذه المدة الطويلة،
تغيرت الإمبراطورية، ومن ثم تغيرت القواعد. في أول قرن تلا الفتح، لم تطالبهم القواعد التي وضعها
العثمانيون بالكثير؛ إذ لم يكن على العرب سوى الاعتراف بسلطة السلطان واحترام الشريعة الإسلامية
والسلطان. وسمح العثمانيون للأقليات غير المسلمة بتولي شئونها الخاصة تحت إمرة قياداتها المحلية
ووفقًا لقوانينها الدينية في مقابل دفع جزية للدولة. وبصفة عامة، بدا أن معظم العرب نظروا بعين
الرضا لوضعهم في ظل الإمبراطورية العالمية التي سادت في ذلك العصر على اعتبار أنهم مسلمون في
إمبراطورية إسلامية عظمى.
بيد أنه في القرن الثامن عشر، شهدت القواعد تغيرًا جذريًّا. وصلت الإمبراطورية العثمانية إلى
أوج عظمتها في القرن السابع عشر، لكنها عام ١٦٩٩ فقدت لأول مرة أراض تابعة لها — كرواتيا والمجر
وترانسلفانيا ومنطقة بوديليا بأوكرانيا — لصالح منافسيها الأوروبيين. بدأت الدولة العثمانية تبيع
بالمزاد المناصب الحكومية والأراضي الزراعية في الولايات التابعة لها كمزارع خاضعة للضرائب حتى
تولد الدخل، إذ كانت تعاني ضائقةً مالية، مما مكَّن ذوي النفوذ في الولايات البعيدة من جمع أراضٍ
شاسعة فتحت لهم باب جمع ما يكفي من الثروة والسلطة لتحدي سلطة الحكومة العثمانية. حدث هذا في دول
البلقان وشرق الأناضول، وفي أنحاء الولايات العربية، وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر مثلت
مجموعة من هؤلاء القادة المحليين تحديًّا خطيرًا للحكم العثماني في مصر وفلسطين ولبنان ودمشق
والعراق وشبه الجزيرة العربية.
وبحلول القرن التاسع عشر بدأ العثمانيون عصر إصلاحات شاملة بهدف القضاء على التحديات التي
ظهرت داخل الإمبراطورية وصد تهديدات جيرانهم الأوروبيين؛ وأدى هذا إلى ظهور مجموعة جديدة من
القواعد عكست أفكارًا جديدة بشأن مفهوم المواطنة استعارتها من أوروبا. حاولت الإصلاحات العثمانية
أن تضمن لجميع الرعايا العثمانيين — أتراكًا وعربًا على حد سواء — المساواة في الحقوق والواجبات
على مستوى الإدارة والخدمة العسكرية ودفع الضرائب؛ وروجت لهوية جديدة تقوم على الولاء للدولة
العثمانية، تسعى إلى السمو فوق الاختلافات العرقية والانقسامات الدينية في المجتمع العثماني. فشلت
الإصلاحات في حماية العثمانيين من التدخل الأوروبي، لكنها مكنت الإمبراطورية من إحكام قبضتها على
الولايات العربية، وزادت أهمية هذا مع تسبب النزعة القومية في إضعاف وضع العثمانيين في
البلقان.