تحددت لكل دولة عربية جديدة عاصمة وطنية اتُخذت مقرًا للحكم، وأُجبر الحكام على وضع مسودات
دساتير وتشكيل مجالس نيابية تعمل بنظام الانتخاب، وأجرت الدول المتجاورة مفاوضات لم تخلُ من الحدة
في كثير من الأحيان بشأن ترسيم الحدود مع أن هذه الحدود كانت في كثير من الأحيان شكلية إلى حد
بعيد. قوبلت هذه الإجراءات بمعارضة كثير من القوميين العرب، إذ رأوا أنها تؤدي إلى انقسام الشعب
العربي وإضعافه، وأن هذا الشعب لن يستعيد مكانته المستحقة كقوة عالمية تحظى بالاحترام إلا عن طريق
وحدة عربية شاملة؛ بيد أنه في ظل الالتزام بالقواعد الأوروبية الجديدة انحصرت كل المواقف السياسية
القيمة داخل حدود كل دولة من الدول العربية الجديدة.
خلَّف الاستعمار صدامًا بين القومية القائمة على أساس الدول المستقلة (مثل القومية المصرية
والقومية العراقية) والأيديولوجيات القومية التي تضم العرب جميعًا في رحابها، ويظل هذا الصدام
واحدًا من آثار الاستعمار الباقية. ظهرت الحركات القومية في النصف الأول من القرن العشرين في بعض
الدول المستعمرة كل على حدة، وعارضت الحكم الأجنبي. لكن لم يكن من الممكن أن تظهر حركة قومية تشمل
أنحاء العالم العربي ما دام هذا العالم مقسمًا بين بريطانيا وفرنسا. وعندما بدأت الدول العربية
تنتزع الاستقلال في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، كان انقسامها قد أصبح راسخًا. إلا أن معظم
المواطنين العرب آمنوا بأن القوميات الصغرى التي أفرزها الاستعمار غير شرعية من الأساس، ورأى
أولئك الذين طمحوا في استعادة عظمة العرب في القرن العشرين أن قيام حركة قومية عربية واسعة النطاق
هو الأمل الوحيد للوصول إلى الكتلة الحرجة ووحدة الهدف اللازمَين لاستعادة المكانة المستحقة للعرب
بين القوى المهيمنة. غير أن التجربة الاستعمارية تركت العرب مجموعةً من الدول بعد أن كانوا
مجتمعًا قوميًّا، وظلت آثار تلك التجربة تخيب آمال العرب.